عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
171
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
بكليات عالم الأرواح . وهو الغيب جاهلا بجزئياته ، وكليات عالم الأجسام وجزئياته وهو الشهادة ، فتحصل من آلات الحواس الخمس والقوى البشرية ما تصير به عارفا بكليات الغيب والشهادة وجزئياتها لتكون بالخلافة عالم الغيب والشهادة ثم قال له : أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ، فقال له ما لي وللدنيا . ورجع إلى ربه ليلة المعراج ، ثم قال للعقل وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إليّ منك ، وهذا أيضا حاله - صلى اللّه عليه وسلّم - أنه كان حبيب اللّه وأحب الخلق إليه ، وقوله تعالى للعقل : « بك أعرف وبك آخذ وبك أعطي وبك أعاقب وبك أثيب » « 1 » . فهذا كله حاله - صلى اللّه عليه وسلّم - لأنه من لم يعرف النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - بالنبوة والرسالة لم يعرف اللّه ولو كان له ألف دليل على معرفة اللّه . فمعناه بمعرفتك أعرف ، أي من عرفك بالنبوة عرفني بالربوبية ، وبك آخذ أي آخذ طاعة من أخذ منك ما أتيته من الدين والشريعة وبك أعطي ، أي بشفاعتك أعطي درجة أهل الدرجات . كما قال - صلى اللّه عليه وسلّم - : « الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم » وبك أعاقب وبك أثيب وذلك لقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) [ آل عمران : 81 ] فاللّه تعالى أخذ ميثاق كل نبي بعثه بأن يؤمن بمحمد - صلى اللّه عليه وسلّم - ويوصي أمته بالإيمان به ونصرة دينه ، فمن آمن به من الأمم الماضية قبل بعثته فهو من أهل الثواب . ومن لم يؤمن به من الأولين والآخرين فهو أهل العقاب ، فصح فيه قوله : « بك أعاقب وبك أثيب » فكل ما ذكرناه في معرفة الروح فهو حال النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - ومقاله ، فكيف يظن به أنه لم يكن عارفا بالروح ، والروح هو نفسه ، وقال « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 2 » وذلك أن اللّه لما خلق آدم ونبيه جعلهم اللّه خلفاء في الأرض كما قال : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [ النّمل : 62 ] فمن شرط الخلافة أن يكون المستخلف مجتمع أوصاف المستخلف بالخلافة إلا ما اختص به المنوب بالأصالة ، مثل القدم والأحدية والصمدية والكبرياء والعظمة والسلامة عن عيب ونقصان ، فالروح خليفة اللّه وهو مجتمع صفاته الذاتية كالحياة والقدرة والسمع والبصر والكلام والعلم
--> ( 1 ) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، الأصل السادس والمائتان في أن الاعتبار في الاجتهاد بعقد العقل ، ( ج 2 ص 353 ) . وأورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 722 ) طبعة دار الكتب العلمية . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .